يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
112
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
لأنه يخشى أن يكلف الشهادة بالتوحيد للمؤذن فينجو من النار ، وغرض اللعين أن يقذفه فيها ، ولذلك يضرط في عدوه ليتشاغل بصوت ضراطه عن سماع المؤذن ، لأن فضل لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه عظيم ، هو الأصل وعليه منشأ العبادات كلها ، ولذلك كان المؤذن طويل العنق في الآخرة ، كما قال عليه الصلاة والسلام : المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة . وفسر هذا الحديث على وجوه منها : إن ذلك إذا ألجم الناس العرق يوم القيامة طالت أعناقهم لئلا يصيبهم العرق . قاله النضر بن شميل . وقيل : معناه أطول الناس تشوّفا إلى رحمة اللّه ، لأن المتشوّف يطيل عنقه لما تشوّف له ، فكني عنه بذلك . وقيل : معناه الدنوّ من اللّه تعالى . وقيل : معناه أنهم رؤساء يوم القيامة ، والعرب تصف السادة بطول الأعناق . قال الشاعر : طوال أنضية الأعناق والأمم وقيل ذلك كناية عن الأمن وقلة الخوف والريبة ، كما يقال : فلان يمشي في الناس طويل العنق . وضده من أهل الريب يمشي مائل العنق . وقيل في قوله تعالى : فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ [ الشعراء : 4 ] المعنى أنهم إذا ذلت رقابهم ذلوا . فالإخبار عن الرقاب إخبار عن أصحابها . ومعلوم أن الخاضع والذليل مائل الرقبة ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لمن رآه مائل العنق - زعم من الخشوع - فقال له : يا صاحب الرقبة ارفع رأسك ، لا تمت علينا ديننا ، فليس الخشوع في الرقاب . أو كما قال رضي اللّه عنه . وقيل : تجعل لهم منابر يوم القيامة فيقعدون عليها فتطول أعناقهم لذلك ، كما كانوا في الدنيا تطول أعناقهم على الناس بصعودهم الصوامع والمرتفعة من المواضع ، فطابق الفعل الفعل وطابق الشكل الشكل . ويحق له أن يعلو على أعلى موضع يجده ويرفع صوته بأشدّ ما يمكنه ويقول : أشهد أن لا إله إلا اللّه وأشهد أن محمدا رسول اللّه . وأين هذه الحالة من حالة الناس أوّل الإسلام ، إذا كانوا لا يقدرون على أن يقولوا هذه الكلمة إلا سرا ، ولو ظهر على أحد بقولها لعذب كما فعل ببلال رضي اللّه عنه . إذ كان يخرج إلى الرمضاء عند اشتداد الحر ، فيبطح على ظهره وتطرح الصخرة العظيمة على بطنه على قول لا إلا إلا اللّه . فيقول رضي اللّه عنه وهو كذلك : أحد أحد . هذا قاسى ما لم يقاس أحد ، فلما أدرك الأمان وكان قد حصل الإيمان بادر إلى الأذان فأسمعه الآذان . ما أولى بهذا العمل كل من له في الخير أمل . لكن لا حول ولا قوة إلا باللّه ولا هادي إلا اللّه .